القليعة والوطن …

ـ بين “القليعة” والوطن.. شاهدٌ وشهادة (مارتن حبشي)
في جنوبٍ لم يبرأ بعد من حروبه، حيث تناديه المدافع يوميًا باسم “الثأر”، يقف لبنان على حافة سؤالٍ وجودي: أيُّ وطنٍ نريد؟ وأيُّ قدرٍ يُراد لنا؟ فالجنوب، الذي كان يومًا مرآة الحياة الريفية الهادئة، بات اليوم أرضًا تتنازعها الذاكرة والنار. قرى أُطفئت قناديلها، بيوت أُغلقت أبوابها، وشعبٌ يتنقّل بين النزوح والانتظار، فيما الوطن يزداد ثقلًا بجراحٍ لم تلتئم منذ عقود. مع ذلك، ثمة مشهدٌ آخر لا يقل حضورًا: شعبٌ آمن بأرضه فصار بقاؤه فيها فعل إيمان، لا مجرد خيار حياة
في قلب هذا المشهد، برز صوتٌ مختلف. صوتُ كاهنٍ جمع بين مذبح الرب ومذبح الوطن، فحوّل الإيمان إلى موقف، والصلاة إلى شهادة. لم يكن خطابه خطاب
مواجهة، بل خطاب بقاء. جملة واحد كفيلة لتلخيص التاريخ:
باقون هنا.. باقون بسلام لنعيش بسلام”. ليست هذه كلمات رجلٍ واحد، بل هي، في عمقها، لسان حال لبنانيين كُثر تعبوا من أن يكون وطنهم ساحةً لحروب الآخرين.
في هذا السياق، ووسط الاحتقان الذي يثقل المشهد اللبناني، كانت بلدات الجنوب المسيحية ترفع صوتًا مختلفًا. لم ترفع راية الحرب، بل راية السلام. رسالة بسيطة لكنها عميقة: كفى دمًا، كفى لهذا الوطن وجعًا. فلبنان، إن بقي، لا يمكن أن يبقى إلا وطنًا لجميع أبنائه. لعلّ اللحظة تفرض علينا أن نتخلى قليلًا عن لغة الدبلوماسية الرمادية. فالحقيقة الصعبة تقول إن لبنان اليوم وطنٌ لم يختر قدره. وطنٌ وجد نفسه مربوطًا بمشاريع وصراعات لا علاقة له لا بمدى عدالتها ولا ببطلانها.
تحت عناوين كبيرة مثل “الإسناد” و”الثأر”، هُجّر نصف الجنوب تقريبًا. فُتحت أبواب العدوان على أرضٍ أنهكتها الحروب، ودفع اللبنانيون ثمن خيارات لم يشاركوا في اتخاذها. وهكذا وجد أبناء الوطن أنفسهم ضحايا قراءات متباينة للوطنية، فيما بقيت مصلحة لبنان السؤال الغائب الأكبر.
اليوم، يحترق الجنوب من جديد. شوارع كانت تتزين بالعرائش والحقول تحوّلت إلى ركام، وقرى كانت نابضة بالحياة باتت عنوانًا للنزوح. في هذا المشهد القاسي، تبرز “القليعة” كاستثناء لافت. ليست مجرد بلدة صامدة، بل صورة عن لبنانٍ آخر. لبنان الذي لا يريد الحرب، ولا يقبل أن يكون مجرد ساحةٍ لصراعات المحاور.
القليعة معزولة السلاح، لكنها مدججة بشجاعة البقاء. محصنة بإرادة أهلها، وبقناعة بسيطة لكنها عميقة: أن السلام ليس ضعفًا، بل خيارًا شجاعًا.
وسط هذا المشهد، قد نستطيع أن نتحدث طويلًا عن استراتيجيات الإقليم، وعن معادلات القوى الكبرى، وعن خرائط المصالح التي ترسمها العواصم البعيدة. لكن السؤال الذي يبقى معلقًا فوق كل ذلك هو سؤال بسيط: أين مصلحة لبنان؟ فالوقائع تشير بوضوح إلى أن مصالح الأطراف المتصارعة تُترجم اليوم سياسات واستراتيجيات لا تمت بصلة إلى مصلحة بلاد الأرز. وفي خضم هذه المعادلات، يبدو أن لبنان يحتاج إلى نموذج مختلف. نموذجٍ يشبه القليعة.
هناك، حيث وقف كاهنٌ شهيد فوق صخورٍ اعتاد التاريخ أن يرى عليها رجالًا شجعان، ليقول جملة تختصر الحكاية كلها:
باقون هنا… باقون بسلام لنعيش بسلام”.
هنا تحديدًا تتحول القليعة إلى أكثر من بلدة. تصبح رمزًا لخيارٍ لبناني ممكن: أن يكون السلام موقفًا وطنيًا، لا مجرد أمنية.
فبين القليعة والوطن شاهدٌ وشهادة:
كاهنٌ جمع حب مذبح الرب بمذبح الوطن، فصار شهيد الرجاء.. وشاهدٌ على أن لبنان، على الرغم من كل ما يحيط به من عواصف، ما زال قادرًا على أن يختار الحياة.
المصدر . فريق موقع القوات اللبنانية


