زحلة أرز لبنان

متفرقات

من جدّي لبيّي لإلي

حكاية صنعة عائلة آغا في زحلةتاريخ مهنة، إرث عائلي، وذاكرة زحلية لا تُنسىفي زحلة، بعض الحكايات لا تُكتب في الكتب، بل تبقى محفوظة في ذاكرة أهلها، وفي أيدي أصحاب المهن الذين أمضوا حياتهم في العمل، والتعلّم، وتعليم الأجيال من بعدهم.

ومن هذه الحكايات، قصة عائلة آغا، التي ارتبط اسمها منذ عقود بمهنة الدواليب والصنعة والمهارة، وحافظت على هذا الإرث العائلي جيلًا بعد جيل.وفي لقاء خاص أجراه الإعلامي سمير كرم، ضمن موقع ZAHLE CEDARS OF LEBANON، في محلّه في المعلقة – زحلة، يروي سليمان آغا صفحات من تاريخ عائلته، وتاريخ المهنة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد عمل، بل إرثًا أخذه عن أجداده، وحافظ عليه، وعلّمه لأبنائه وأحفاده.البداية… من الجديروي سليمان آغا أن قصة المهنة بدأت مع الجد، في زمن كانت فيه زحلة مختلفة عن اليوم؛ لا بوليفار بالشكل الذي نعرفه، ولا طرقات واسعة، ولا عدد كبير من السيارات.وكانت مهنة إصلاح الدواليب في بداياتها تعتمد بشكل أساسي على اليد والخبرة والقوة والصبر، قبل أن تدخل الآلات الحديثة إلى عالم الصيانة.ويؤكد سليمان أن كبار السن والختيارية في زحلة كانوا يعرفون تاريخ العائلة جيدًا، ويشهدون على أن جدّه كان من أوائل أصحاب هذه المهنة في المنطقة.كان يصلح الدواليب والكاوتشوك في زمن كانت فيه السيارات قليلة، والدواليب قليلة، وإصلاح الدولاب يحتاج إلى مهارة حقيقية.ومن هنا بدأت الحكاية…جدّه علّم والده، ووالده علّمه، وهو بدوره علّم أبناءه وأحفاده.وهكذا أصبحت المهنة سلسلة متواصلة لا تنقطع.«أخدنا المصلحة وراثة»من أجمل ما يقوله سليمان آغا خلال المقابلة:«أخدنا المصلحة وراثة… وعلمناها لغيرنا، والله رزقهم.»كلمات تختصر فلسفة كاملة.فالمهنة بالنسبة إلى عائلة آغا لم تكن سرًا يحتفظ به صاحبها لنفسه، بل علمًا وخبرة تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل.تعلمها أبناء العائلة، كما تعلمها أشخاص آخرون على أيديهم، وأصبح لكل واحد منهم رزقه وطريقه في الحياة.وهنا تظهر قيمة المعلّم في زمن كانت فيه الصنعة مدرسة بحد ذاتها.من الجد إلى الأب… ومن الأب إلى سليمانسليمان آغا لا يتحدث عن نفسه فقط، بل يتحدث بفخر عن الذين سبقوه.فهو يعتبر أن الفضل الأول يعود إلى أجداده ووالده، الذين حملوا المهنة في زمن صعب، وحافظوا عليها، ثم نقلوها إلى الأبناء.ويقول إن احترامه لوالده وجده نابع من تقديره لما أعطياه إياه: مهنة عاش منها، وخبرة أصبحت جزءًا من حياته.وفي زمن كان فيه المتعلم يحترم معلّمه ويقدّر يده التي علّمته، كان الوصول إلى مرتبة «المعلّم» يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتعب.وهذا الاحترام بقي حاضرًا في ذاكرة سليمان.المهنة التي أصبحت إرثًاالأجمل أن القصة لم تتوقف عند سليمان آغا.فأبناؤه تعلّموا المهنة منه، وأحفاده بدأوا يتعلمونها أيضًا.وهكذا أصبح لدينا اليوم أكثر من جيل يحمل الصنعة نفسها.الجد… الأب… الابن… الحفيد.إنها ليست مجرد مهنة عائلية، بل ذاكرة مهنية زحلية.سليمان لم يحافظ على المهنة لنفسه فقط، بل حافظ عليها من خلال تعليمها للجيل الجديد، حتى تستمر بعده.حكاية أخرى… تنجيد السياراتلكن تاريخ عائلة آغا لا يقتصر على مهنة الدواليب.ففي رواية سليمان، تظهر حكاية أخرى مرتبطة بأحد أجداده، الذي اكتسب خبرة في الخارج وعاد بها إلى لبنان.كانت لديه خبرة في تنجيد فرش السيارات، وهي مهنة متقدمة بالنسبة إلى ذلك الزمن، إضافة إلى خبرات مرتبطة بصناعة المظلات وبعض الأعمال الخاصة بالطائرات.وعندما عاد إلى زحلة، لم يحتفظ بما تعلمه لنفسه، بل نقل خبرته إلى أبناء المدينة، لتتحول المعرفة القادمة من الخارج إلى صنعة محلية جديدة.وهنا يظهر وجه آخر من وجوه العائلة:السفر لم يكن نهاية العلاقة بزحلة، بل كان وسيلة للعودة بخبرة جديدة وإضافتها إلى خبرة أهل المدينة.زحلة القديمة في ذاكرة سليمان آغاوخلال اللقاء، لا يغيب الحديث عن زحلة القديمة.زحلة التي كانت أحياؤها أكثر ترابطًا، وعائلاتها تعرف بعضها، وأسماء شوارعها وأبنيتها ومؤسساتها محفوظة في ذاكرة الختيارية.يتحدث سليمان عن حي مار الياس، وسيدة الزلزلة، وسوق البلاط، وتل شيحا، وعن أسماء وأماكن ارتبطت بمرحلة كاملة من تاريخ المدينة.ومن بين الذكريات التي يتوقف عندها، الحديث عن مستشفى تل شيحا، الذي كان كبار السن يسمونه في زمن سابق «المستشفى الإنكليزي»، وهي تسمية بقيت متداولة في ذاكرة أبناء تلك المرحلة.هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل المقابلة أكثر من مجرد حديث عن مهنة.إنها شهادة على زحلة التي كانت.الصنعة… أكثر من مهنةعندما نستمع إلى سليمان آغا، ندرك أن الحديث ليس عن الدواليب وحدها.إنه حديث عن زمن كان فيه الإنسان يعرف قيمة الصنعة، ويحترم المعلّم، ويعتز بما يتعلمه من أبيه وجده.كان الشاب يتعلم المهنة لسنوات، حتى يصبح معلمًا، ثم يأتي يوم يعلّم فيه أبناءه.واليوم، سليمان آغا يعيش هذا الإرث بنفسه:ما تعلّمه من أجداده ووالده، نقله إلى أبنائه، وأبناؤه ينقلونه إلى أحفاده.وهكذا تبقى الصنعة حية.عائلة آغا… جزء من ذاكرة زحلةربما لا يعرف كثيرون أن وراء بعض المهن القديمة في زحلة تاريخًا عائليًا طويلًا.لكن قصة عائلة آغا تؤكد أن تاريخ المدن لا تصنعه الأحداث الكبيرة وحدها.تاريخ زحلة صنعه أيضًا المعلّم، والصنايعي، والتاجر، والفلاح، وأصحاب الحرف، وكل إنسان وضع عمره في مهنته وترك وراءه خبرة يتناقلها الأبناء.وعائلة آغا واحدة من هذه العائلات التي بقيت متمسكة بصنعتها، وحافظت عليها رغم تغيّر الزمن ودخول التكنولوجيا والآلات الحديثة.«من جدّي… لبيّي… لإلي»هذه العبارة تختصر كل الحكاية.من جدّه إلى والده، ومن والده إليه، ومنه إلى أولاده وأحفاده.هكذا انتقلت الصنعة.وهكذا بقي اسم العائلة مرتبطًا بالمهنة.وهكذا تحولت المهنة إلى إرث عائلي وتاريخ زحلي.واليوم، عندما يقف سليمان آغا في محلّه في المعلقة – زحلة، فهو لا يقف فقط خلف طاولة العمل وبين الدواليب.إنه يقف أمام عقود من الذاكرة.ذاكرة جد علّم ابنه، وأب علّم أبناءه، وأبناء يعلّمون أبناءهم.إنها قصة إنسان حافظ على مهنة ورثها، ولم يسمح لها أن تنتهي.كلمة أخيرةفي زمن تتغير فيه المهن بسرعة، وتختفي بعض الحرف القديمة، تبقى هناك عائلات تقول لنا إن التراث ليس فقط حجارة قديمة أو صورًا بالأبيض والأسود.التراث هو الإنسان… واليد التي تعمل… والخبرة التي تنتقل… والمهنة التي تبقى.وقصة سليمان آغا وعائلة آغا هي واحدة من القصص التي تستحق أن تُروى وتُوثّق، لأنها تحمل في تفاصيلها جزءًا من تاريخ زحلة الاجتماعي والمهني.من الجد إلى الأب، ومن الأب إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد…مهنةٌ بدأت منذ عقود، وما زالت مستمرة.من جدّي لبيّي لإلي… ومنّي لأولادي وأحفادي.هكذا تُحفظ الصنعة.وهكذا يُحفظ تاريخ زحلة.مقابلة وحوار: الإعلامي سمير كرمالضيف: سليمان آغا – صاحب محل دواليبالمكان: محلّه في المعلقة – زحلةإعداد وتوثيق: ZAHLE CEDARS OF LEBANONمن قلب زحلة… نوثّق حكايات أهلها، قبل أن تضيع من ذاكرة الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى