سوق الغرب… حين كتب سليم كلاس واللواء الثامن صفحةً في تاريخ الجيش اللبناني

استذكار قائدٍ عسكري حمل مسؤولية القيادة في مرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، وارتبط اسمه بمعركة سوق الغرب في 13 آب 1989.
في سجلّ المؤسسة العسكرية اللبنانية، تبقى أسماء القادة الذين واجهوا أصعب الظروف جزءاً من الذاكرة الوطنية. ومن بين هذه الأسماء، يبرز العميد الركن المتقاعد سليم كلاس، قائد اللواء الثامن سابقاً، الذي ارتبطت مسيرته العسكرية بمرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، وبإحدى أبرز محطات المواجهة على جبهة سوق الغرب.
رحل كلاس في 10 حزيران 2025، لكنّ استعادة مسيرته لا تقتصر على رثاء رجلٍ غادر الحياة، بل تتجاوز ذلك إلى قراءة مرحلة عسكرية وسياسية تركت أثرها العميق في تاريخ البلاد، واستذكار الضباط والعسكريين الذين أدّوا واجبهم وسط ظروف استثنائية.
سوق الغرب… أكثر من محطة في تاريخ لبنان
لم تكن سوق الغرب ساحةً عسكرية عابرة، بل موقعاً استراتيجياً اكتسب أهمية كبيرة خلال الحرب اللبنانية، نظراً إلى موقعه المشرف على مناطق حيوية ومداخل محيطة بالعاصمة، وفي مقدّمها محيط القصر الجمهوري ووزارة الدفاع.
وقد شهدت المنطقة مواجهات بارزة، من بينها معارك أيلول 1983، ثم معركة 13 آب 1989، التي شكّلت إحدى أهم المحطات المرتبطة بقيادة كلاس للواء الثامن. ومن الضروري التمييز بين المرحلتين، لأنّ لكلّ منهما ظروفها العسكرية وقياداتها وتسلسلها التاريخي.
13 آب 1989… اختبار القيادة والمسؤولية
في ذلك اليوم، وبعد قصف مدفعي مكثّف وهجوم بري واسع على جبهة سوق الغرب، تعرّضت مواقع للجيش اللبناني لضغط عسكري شديد، وتمكّن المهاجمون من السيطرة على بعض المواقع المتقدمة.
وفي خضمّ هذه التطورات، صدرت إلى قيادة اللواء الثامن أوامر بالتدخل لدعم اللواء العاشر. وكان العقيد آنذاك سليم كلاس على رأس اللواء، فعمل على رفع جهوزية الوحدات وتجهيزها للتحرك، وأُنشئ مركز قيادة متقدم في الريحانية لتنسيق العمليات ومتابعة التطورات الميدانية.
وبالتعاون مع اللواء العاشر وسرايا من فوج المغاوير، شاركت وحدات اللواء الثامن في التصدي للهجوم، في معركة اتّسمت بشراسة المواجهات وأهمية المواقع التي دار القتال حولها.
وقد واكبت الصحافة اللبنانية والدولية تلك الأحداث، ووصفت معركة سوق الغرب بأنها مواجهة استراتيجية بالغة الأهمية، نظراً إلى ما كان يمكن أن يترتب على اختراق الجبهة من تهديد للمناطق المحيطة ببعبدا واليرزة.
اللواء الثامن… وحدة عسكرية في قلب مرحلة استثنائية
لم تنحصر أهمية دور اللواء الثامن في يوم واحد من المواجهات. فقد تولّى كلاس قيادته خلال سنوات امتدت بين 1984 و1990، وهي مرحلة شهدت انقسامات داخلية وتحديات عسكرية وسياسية معقدة.
وكانت مسؤولية القيادة في تلك الظروف تتطلب إدارة الوحدات، والحفاظ على جهوزيتها، والتنسيق مع التشكيلات العسكرية الأخرى، واتخاذ القرارات في ظل معلومات ميدانية متغيرة وضغوط متواصلة.
ومن هنا، تكتسب تجربة اللواء الثامن أهميتها في دراسة تاريخ الجيش اللبناني خلال الحرب، لا باعتبارها رواية عن معركة فحسب، بل باعتبارها جزءاً من سجلّ المؤسسة العسكرية في سنوات كانت فيها الدولة تواجه امتحاناً قاسياً.
«معركتي الأخيرة»… شهادة من داخل الحدث
لم يترك سليم كلاس تجربته العسكرية في إطار الذكريات الشخصية وحدها، بل دوّن شهادته في كتابه «معركتي الأخيرة»، الذي يتناول محطات وأحداثاً مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، من وجهة نظر ضابط عايش جانباً من تلك الوقائع وشارك فيها.
ويكتسب الكتاب أهمية خاصة في توثيق التجربة العسكرية، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للاطلاع على الروايات والشهادات المرتبطة بمرحلة من أكثر مراحل تاريخ لبنان تعقيداً.
فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها، بل بالوثائق والشهادات والمقارنة بين الروايات، وبالقدرة على استخلاص العِبَر من التجارب التي عاشها الوطن.
قائدٌ رحل، وذاكرةٌ تستحق التوثيق
برحيل العميد الركن المتقاعد سليم كلاس، طُويت صفحة من حياة أحد القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بقيادة اللواء الثامن ومعركة سوق الغرب. غير أنّ ما تركته تلك المرحلة من أحداث ووقائع يبقى مسؤولية تاريخية تستوجب التوثيق الدقيق، بعيداً عن المبالغة أو اختزال التاريخ في رواية واحدة.
إنّ استذكار القادة والعسكريين لا يعني تمجيد الحرب، بل حفظ الذاكرة الوطنية، وفهم التحديات التي واجهت الجيش والدولة، وتقدير التضحيات التي تحمّلها العسكريون في سنوات عصيبة.
رحم الله العميد الركن المتقاعد سليم كلاس، وأسكنه فسيح جناته، والتعازي لعائلته ورفاق السلاح ومحبيه.
قد يرحل الرجال، لكنّ صفحات التاريخ تبقى مفتوحة أمام الأجيال، شاهدةً على ما حدث، وداعيةً إلى وطنٍ أقوى بمؤسساته، وأوعى بذاكرته، وأكثر تمسّكاً بوحدته.
بقلم الإعلامي سمير كرم
ZAHLE CEDARS OF LEBANON
© جميع الحقوق محفوظة. يُمنع نسخ المقال أو إعادة نشره دون ذكر المصدر.




